الاثنين، 26 ديسمبر، 2011

مقالات قديمة : حتى الجزائر ؟


في يوم الجمعة 20 يوليو 1951 اصطحب جلالة الملك عبد الله الأول عاهل الأردن و عميد بني هاشم في رحلته للقدس حفيده الأمير الغض الحسين بن طلال. تلك الصحبة أفادت الحسين كثيرا و جعلت منه في آخر سنيه عميد ملوك الأرض لم لا و قد تربع على عرش بني هاشم خمس عقود طوال.
يروي الحسين ـ رحمه الله ـ أن وصية الجد في يومه الأخير تلخصت في أن  الحلم يطيل الحكم  وأن أعلى درجاته هي تجنب التوتر مع الجيران.
علّم الجد الحفيد أن كل الجيران سواسية آل سعود كبني هاشم العراق! المهم هو ديمومة الدولة و تجنب الصراعات قدر الإمكان.
حافظ الملك على سيادة الدولة الفقيرة و الصحراوية و جعل منها واحة ازدهار ورخاء ،  وهو أمر صعب ، فالأردن محاط بجيران من كل الأصناف ، فيهم آل سعود الوهابيون الذين طردوا الجد من الحجاز، ومنهم سوريا المتقلبة الأمزجة و الأنظمة و صاحبة الإيديولوجيات اليسارية الجاهزة للتصدير دوما ، و العراق الذي يضج بالتوسع و الثورات ........و الصهاينة المتربصين بالأرض والعرض و الماء والهواء.

عندما أْبيد أبناء العم في قصر الزهور ببغداد ، تعامل الحسين مع القتلة تبعا لوصية جده ، فلم تقده عواطف القربى للتطاول على العراق و لا التحرش به و لا المطالبة بعرش أبناء عمومته و احتفظ بعلاقات طيبة مع هذا الجار المهم.

خلافا لملك الأردن الحكيم ترك قائد موريتانيا الجديدة العنان لنزعاته الجيّاشة تنطلق من عقالها الواحدة تلو الأخرى ........يتعرض لكل عويصة فيزيدها تعقيدا ، يرسل سفيره بالرباط إلى الداخلة معترفا بالأمر الواقع و كأنه يهدي الصحراء للعرش العلوي بخطوة من الشيخ العافية ولد محمد خونة.

 في الشرق تأزمت العلاقات طويلا مع الشقيقة مالي بحكم تحميلنا إياها مسؤولية الغارات الإرهابية التي تحدث بين الفينة و الأخرى،وتحمل الماليون من غلاظات نظام الجنرال و مزايداته الكثير و التي وصلت أوجها عندما سحب السفير الموريتاني  في حركة احتجاج غير مسبوقة إثر مقايضة مع القاعدة برعاية فرنسية بين إرهابيين معتقلين ـ فيهم من يحمل التابعية الموريتانية ـ  والرهينة الفرنسي "بيير كامات".

من سخرية الأقدار انه لما توفرت لنا الرعاية الفرنسية لم نتردد في اختراق الحوزة الترابية المالية ، و أخلينا سجوننا من الإرهابيين الماليين وحتى من تجار المخدرات  في صفقات تبادل لتحرير رهائن غربيين.

خلال تلك الأزمة بُنيت إستراتيجيتنا الدبلوماسية و الإعلامية على إظهار الحكومة المالية بصورة العاجزة حينا و المتواطئة أحيانا .....و رفع أبواق السلطة عقيرتهم بالسباب و الشتائم لكل من نادى بالتروي و التعقل و كأن اكبر شتيمة بجعبتهم هي العمالة لمالي ، موزعين التهم الجزاف على كل المعارضين  العقلاء الذين يدعون إلى مراعاة حقوق الجيرة.
بعيد العملية الفرنسية الموريتانية الفاشلة اكتشف الجنرال أهمية الجار المالي و راح يبذل جهده في كسب ودّه و يسارع بإعادة السفير إلى مقر إقامته ، وأضحى يهاتف رئيس مالي لسبب وبدون سبب ، مسارعا لحضور أي دعوة ، سبحان الله،  أصبح الجنرال يردد نفس دعوى المعارضة ، ويتحدث عن الجيرة و التاريخ المشترك.

لقد ترك الجنرال توماني توري نظيره الموريتاني يتورط في رمال أزواد الملتهبة ، و هي رمال تبتلع الغزاة و العابرين ، رمال مشرئبة بحمرة الدماء التي ظلت تسيل منذ الأزل....... عرفت منذ الاستقلال وإلى اليوم ثلاث ثورات و عشرات النزاعات القبلية ، و عندما اختارتها القاعدة موئلا ازدادت لهيبا وحمرة.

في عيون توماني توري بريق حاد ، يشبه إلى حد بعيد ثعالب أعالي النيجر. و في عيون رئيسنا شيء من براءة الطفل المشاكس ، ورعونة الريفي البسيط الذي بهرته أضواء المدينة.
بتؤدة وكياسة الأول تحول الثاني إلى ورقة في يده.... عنصر توتر إضافي يكفي لخلق شرخ وربما قطيعة بين عرب أزواد وموريتانيا، فعمليات التعقب تؤدي الى عمليات التنظيف وكلاهما يستلزم حضورا عسكريا مستمرا.

لم ينس توماني توري أن جنوده كثيرا ما قتلوا بسلاح أتى من مخازن موريتانية و أن ثوار التسعينات اعتمدوا على إخوانهم الموريتانيين كثيرا  .....موريتانيا التي كانت  السند الطبيعي و الأول لعرب آزواد.

سبق للماليين  أن أذكوا بمهارة ـ يحسدون عليها ـ نار الفتنة بين العرب و الطوارق و بين العرب و العرب ، بين "البرابيش" و "إيفوقاس" و "الأمهار" و "كنتة" وهكذا دواليك ، كل ضد الآخر و سلطة باماكو مع الجميع!

إنجر ولد عبد العزيز إلى مجاهل أزواد ولقي جنودنا حتفهم وبدأ يخسر المدنيين، ففي الأيام الأولى  قتل طيرانه النساء و الأطفال و اعتقل أجناده الشيوخ و أبناء السبيل و كأننا في دوامة رمل تصاحبها موسيقى جنائزية تعزفها بنات آوى.

في دخول أزواد تجاسر على القوة الإقليمية الكبرى الجزائر ، فأزواد كان دوما حديقتها الخلفية.
 طالما دعت الجزائر إلى تنسيق الجهود بين دول المنطقة وتجنب أي عمل انفرادي طائش أو إدخال لقوى دولية في المنطقة.

لم تحرك موريتانيا أي ساكن بعد اعتداءات القاعدة المتكررة في "المغيطي" و "الغلاوية" و "تورين"، و لكنها لم تستطع صبرا على اقتراب المهلة النهائية لإعدام المختطف الفرنسي في النيجر "ميشيل جيرمانو" فقامت بهجوم فاشل  بمشاركة قوات خاصة فرنسية ، و تعالت الأصوات في فرنسا احتجاجا على العملية المشتركة وظن العالم أن الأمر لن يتكرر ، لكن ما أن أختطف بعض موظفي شركة "آريفا "حتى عاد الموريتانيون للانتشار بأزواد و كأن أي اعتداء على فرنسيي النيجر بالذات مساس بأمن ومصالح موريتانيا!

بعد معركة "حاسي سيدي" بضواحي "تومبكتو" بشّرتنا وزارة الدفاع بنصر مؤزر على القاعدة ، ثم تتالت المعلومات المناقضة من صحافة مالي و الجزائر و فرنسا و شهود العيان الذين نقلت وكالات الأنباء المحترمة شهاداتهم حول ما وقع ، و ليته ما وقع !

جاء بيان القاعدة المدعوم بالصور ليفتح أبواب السخرية ، الشروق الجزائرية تعتبرنا مجرد موردي أسلحة وسيارات للقاعدة فما أن نلتقي حتى نتخلى عن أسلحتنا وسياراتنا.  صحيفة  "مالي ويب" تعتبرنا مصابين بجنون العظمة و أن أحسن علاج لمرضنا المزمن هو الالتحام بالقاعدة !!

إذاعة فرنسا تُسمعنا نحيب الذين قتل طيراننا أطفالهم ونسائهم وعمدة أزوادي يتوعد موريتانيا ورئيسها.

لعل اكبر تأكيد لما ذهبت إليه وسائل الإعلام حول هذه النكبة هو درجة التشنج التي اتسمت بها القيادات الموريتانية في هروبها إلى الأمام عبر التكتم من ناحية  و التجاسر والتطاول من جهة أخرى.

من غير المنطقي مؤاخذة دولة ما على ما قد تكتبه الصحافة الحرة ،  ، فلو قرر صحفي موريتاني  شتم ملوك البشر و الجن لنام رئيسنا قرير العين.
من غير المألوف أيضا في أعراف المنطقة سبُ الجزائر بأي تهمة أو أي شبهة ، الجزائر التي تدعم نهارا جهارا جبهة البوليساريو وتتلقى من  المملكة المغربية كلمات المجاملة و التلطُف صباح مساء.

القذافي في كل حالاته لم يتجاسر على جاره الغربي و تونس تستخرج دوما من قواميس اللغة الألفاظ الأكثر ودية في تعاملها مع هذا الجار الثائر و الكبير و المزدحم بالذخائر والشمائل.
الماليون كغيرهم يتفانون في الوداعة و الرقة ، ولا يقبلون أي وساطة في النزاعات المحتدمة دوما في أزواد إلا إذا كانت برعاية جزائرية .

خسرت موريتانيا في كل اشتباكاتها مع الإرهابيين أقل من مائة قتيل ، وخسر الجزائريون مائة ألف ونيف ، ومع ذلك لم يحملوا أحدا مسؤولية الغموض و الضبابية في الموقف تجاه الإرهاب.
ظلت الجزائر وحدها تواجه مشاكلها حتى قُيضت لها السيطرة شبه الكاملة على الوضع الأمني ، و أضحى عدد قتلى الإرهاب أقل من ضحايا حوادث السير ومع ذلك لم تدوِّل المشكلة.

الجزائر لم تطلق العنان لجيشها لاقتحام أراضي دولة مالي وهي القادرة على ذلك. الرئيس بوتفليقة أو "السي عبد القادر" الذي عمل معه أهل أزواد وبعض من أهل موريتانيا* يعرف الصحراء جيدا، خبر الأرض والسكان حين قاد الجبهة الجنوبية في حرب التحرير و لا شك أنه وعى خطورة حرب العصابات بأرض ملتهبة قد تخرج عن السيطرة  لتفجر المنطقة المترابطة العصبيات والتي يجهل أهلها معنى حدودٍ رسمها ذات يوم ضابط فرنسي خبيث.

وَصْفُ الشيخ ولد حرمة الجزائريين ب "المتأرنبين" ابتكار يعجز عنه خيال أكثر الكتاب سريالية و عبثية. لقد تجاهل أن زخم الثورة الجزائرية فرض المستعمر على منح  الاستقلال لدول المنطقة حيث تخلت فرنسا عن محمياتها و مستعمراتها ، للتفرغ للأسود الجزائريين .

في قمة الجزائر دخلت موريتانيا الجامعة العربية التي تعتبر مؤسساتها أكبر ممول لموريتانيا و لولا دعم الجزائر لما سكّت العملة الموريتانية ، ولولا الجزائر لما استطعنا تأميم مناجم الحديد حيث حشد المرحوم هواري بومدين ربع مليون "متأرنب" لحمايتنا من أي اعتداء فرنسي مرجح.
و الأكثر غرابة أنه  قبل أيام  من مقال الوزير شطبت الجزائر قرابة مائتي مليون دولار هي مجمل ديونها المستحقة على موريتانيا.

إن عين التأرنب هو في أن يبلغ بنا الخوف درجة  تحاشي تسمية الأشياء بأسمائها  ،على طريقة العجائز الذين يسمون الأفعى "المخلوق"و المرض العضال "بالمانّ ساميين"....وهكذا تحولت القاعدة إلى "اللواويد" و أزواد إلى مشارف موريتانيا و المعارك الهجومية إلى عمليات استباقية ، و محاولة تحرير "جرمانو" لحماية "باسكنو" ، و مصيبة "حاسي سيدي" إلى نصر تحاول الجزائر سرقته** و الحرب بالوكالة إلى مجرد إستراتيجية أمنية و الأسود إلى أرانب و عقولنا إلى أحذية ......

أنا افهم بل و أتفهم أن يكون الرئيس عزيز و بعض من أقرانه مغربيي الهوى وربما المحتد ، الهوى لا مكان له في سياسة الدول ، الملوك و السلاطين و الرؤساء من طينة باردة معدنهم التبصر و الحذاقة كالملك الحسين الذي جنب بلده الويلات بتحييده عواطفه ومعرفته قدر نفسه و احترامه لكل جيرانه وبالذات  العراقيين رغم كل ما حدث  ومحافظته على اللحمة بين الفلسطينيين و الأردنيين رغم أنه سيشاهد في تلك الرحلة الأخير الجد و هو يقتل برصاص فلسطيني غاضب.

نشر على موقع تقدمي 
----------------------------------------------------------

*من الموريتانيين الذين عملوا في توفير السلاح للثورة الجزائرية  وعملوا مع السيد  عبد العزيز بوتفليقة  أيام كان قائدا للجبهة الجنوبية : نائب رئيس المجلس الوطني لحزب تكتل القوى الديمقراطية السيد الإمام الشافعي ولد احمادو  الذي انشأ شبكة تستورد الأسلحة من غانا ونيجيريا وهو والد الوسيط الدولي المصطفى ولد الإمام الشافعي.
**  عبارة من مقال وزير الصحة السيد الشيخ ولد حرمة لماذا يتأرنب الأسد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المتابعون